الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

448

المنقذ من التقليد

فإن قيل : لم قلتم إنّ دواعيهم إلى المعارضة وحاجتهم إليها كانت شديدة ؟ قلنا : لوجوه ، منها : انّه عليه السلام تحدّاهم أن يأتوا بمثل القرآن على ما بيّناه وقرعهم بالمعجز عن مساواته ، وقد كانت الفصاحة صناعتهم التي يفخرون بها . وكلّ صاحب صناعة يدّعي الافتخار بها وبلوغ الغاية فيها ، فانّه إذا قرع بالعجز عن شيء منها يأنف من أن يرى مقصّرا فيها وأنفته تدعوه إلى الإتيان بما يتحدى به الا ترى أنّ من ادّعى البراعة في الطبّ والهندسة إذا قرع بالعجز في فنّه فانّه يتوفّر دواعيه إلى مساواة من قرعه بالعجز والزيادة عليه . ومنها : إنّه جاء بما يكرهونه من نقلهم عن العادات المألوفة إلى ما لم يألفوه . ومنها : منعه إيّاهم عن الاسترسال في المشتهيات وأمره لهم بالأمور الشاقّة من العبادات . ومنها : إلزامه لهم تضليل من كانوا يصوّبونهم ويعظّمونهم من أسلافهم واستخفاف بما كانوا يعظّمونه من أصنامهم والتبري منها . ومنها : أنّه كان في تمام أمره ورئاسته على كبرائهم وتقدّمه على رؤسائهم . ومنها : توعّده العاصي بالعقاب الأليم الذي كانوا غير معتقدين له . فجميع ما عددناه كانوا يكرهونه ، وكراهتهم لها تدعوهم إلى كسر ما يتمّ به أمره وما يكرهونه ، وقد علموا أنّ الإتيان بالمعارضة يبطل دعواه ويكسر أمره وحجّته ويخلّصهم من جميع ما ذكرناه ، ثمّ وقد تجدّد من قتل أقاربهم ما أكد عدواتهم له وحرصهم على كسر حجّته . فإن قيل : بيّنتم شدّة حاجتهم وتوفّر دواعيهم إلى المعارضة ، لم قلتم : إنّها لم يكن عنها صارف ؟ قلنا : الصارف عنها إمّا أن يكون صارفا دينيّا أو دنيويّا .